حصار "ليكلات بالاس" والدم الأسود
بمجرد خروج سيارات زين ورعد وآسر بصخب محركاتها الهادر، ساد صمت مريب في ردهة الفندق. كانت حبيبة واقفة بجانب نور، ترتعد أطرافها وهي ترى مروان (الأخ الثالث والمخطط الأمني) يغلق الأبواب الفولاذية بالتحكم عن بُعد ويخرج جهازاً لاسلكياً معقداً.
"نور، اسمعيني جيداً.." قال مروان وصوته كالفولاذ، "زين وقع في الفخ. العقرب سحب القوة الضاربة للخارج ليخلو له الجو هنا. الفندق محاصر الآن من المداخل السفلى."
قبل أن تنطق نور بكلمة، دوى انفجار هائل هز أركان الفندق، وتحطم الزجاج العلوي للقاعة الكبرى. صرخت حبيبة وسقطت أرضاً، بينما سحبت نور من تحت فستانها الأنيق مسدساً صغير الحجم لكنه فتاك، وبدا على وجهها تحول مرعب؛ اختفت "المديرة الرقيقة" وظهرت "الأخت" التي تربت في الملاجئ وسجون الأحداث.
"مروان، خذ حبيبة إلى الغرفة المحصنة في الطابق السابع!" صاحت نور وهي تطلق أول رصاصة نحو ظل تحرك عند السلم الكهربائي.
"لا يا نور! زين أمرني ألا أترككِ!" رد مروان وهو يطلق النار بغزارة ليغطي تراجعهم.
"نفذ الأمر يا مروان! أنا أعرف كيف أحمي نفسي، حبيبة لا ذنب لها!"
وجدت حبيبة نفسها تُسحب من يدها بقوة من قِبل مروان، يركض بها وسط الممرات الفاخرة التي تحولت في ثوانٍ إلى ساحة حرب. الدخان يملأ المكان، وأصوات الرصاص تصم الآذان. في تلك اللحظة، رأت حبيبة حارساً يرتدي زي الفندق يوجه سلاحه نحو مروان من الخلف.. كان هو "الخائن".
"مروان! انتبه!" صرخت حبيبة بكل ما أوتيت من قوة.
التفت مروان بلمح البصر، لكن الخائن كان أسرع.. أصابت الرصاصة كتف مروان فسقط يترنح. صرخت حبيبة وهجمت على الخائن بشكل انتحاري، دفعته بكل قوتها وهي تصرخ، مما شتت تركيزه لثانية واحدة كانت كافية لمروان ليطلق النار على رأسه بيده الأخرى.
"أنتِ.. أنتِ أنقذتِ حياتي.." قال مروان وهو يلهث والألم يعتصر وجهه.
"لا وقت للكلام! انهض!" قالت حبيبة، وفي تلك اللحظة، استبدل الخوف فيها غريزة البقاء.
على الجانب الآخر من المدينة، كان زين يقود سيارته بجنون، وفجأة توقف في منتصف الطريق السريع. نظر إلى رعد وآسر:
"هناك خطأ ما.. الطريق فارغ جداً.. العقرب ليس غبياً ليواجهنا في أرض مفتوحة."
في تلك اللحظة، رن هاتفه.. كان صوت مروان متقطعاً وسط أصوات الرصاص:
"زين.. الفندق سقط.. هناك خيانة.. أنا مصاب.. ونور.."
انقطع الخط.
تغيرت ملامح زين الموت إلى شيء لا يمكن وصفه بالبشرية. جحظت عيناه وبرزت عروق رقبته وكأنه وحش كسر أصفاده. التفت بسيارته في حركة "Drit" جنونية جعلت الإطارات تشتعل، وصرخ في اللاسلكي:
"رعد! آسر! أي شخص يقف في طريقنا لليكلات بالاس.. يُمحى من الوجود! سأحرق المدينة الليلة إن لمست شعرة من نور أو حبيبة!"
في الفندق، كانت نور قد حوصرت في الطابق الثاني. نفذت رصاصاتها، وكان أمامها خمسة من رجال العقرب يتقدمون نحوها بابتسامات خبيثة.
"الزعيم يريدكِ حية يا جميلة.. ستكونين أغلى رهينة في تاريخ العصابات." قال أحدهم وهو يقترب منها.
وفجأة.. انفتحت أبواب المصعد الخلفي. لكنه لم يكن المصعد.. كان "فتحة التهوية" التي سقطت منها حبيبة ومروان المصاب. مروان بيده السليمة بدأ يحصد الرجال، بينما حبيبة التقطت طفاية حريق كبيرة ورشتها في وجوههم لتعميهم.
"اركضي يا نور!" صرخت حبيبة.
اجتمعت النساء الثلاث مع مروان المنهك في زاوية ضيقة، محاصرين من كل جانب. وفجأة، ساد هدوء مفاجئ.. هدوء مرعب. انقطعت الأضواء تماماً، وساد الظلام الدامس.
ثم جاء الصوت.. صوت يعرفه الجميع. صوت محرك الـ "G-Wagon" وهي تقتحم الباب الزجاجي الرئيسي للفندق وتستقر في منتصف الردهة.
انفتحت الأبواب، ونزل "زين الموت" يحمل في كل يد سلاحاً آلياً. لم يكن يتكلم، كان يطلق النار بإيقاع منتظم وقاتل، كعازف يعزف لحن الموت. كان يتحرك وسط الرصاص وكأنه غير مرئي، يسقط رجال العقرب واحداً تلو الآخر دون أن يهتز له جفن.
عندما وصل إلى الطابق الثاني ورأى الدماء على كتف مروان، ورأى حبيبة تمسك يد نور المرتجفة، توقف للحظة. نظر إلى حبيبة التي كانت ملطخة بالغبار وبعض دماء الخائن، ورأى في عينيها شيئاً جديداً.. لم يكن خوفاً، كان "إدراكاً".
اقترب منها، مسح بيده الملطخة بالبارود على وجهها برفق غريب:
"هل أنتِ بخير؟"
"لقد أنقذت مروان يا زين.." قالت نور وهي تلتقط أنفاسها، "حبيبة واجهت الخائن."
نظر زين إلى حبيبة بنظرة عميقة، نظرة ندم وفخر في آن واحد، ثم التفت إلى رعد الذي كان يجهز الأسرى:
"رعد.. خذ الأسرى للقبو. أما 'العقرب'.. فأخبره أن الحرب لم تبدأ بعد.. الليلة فقط، تعلمت كيف أحرق مملكته وهو يشاهد."
التفت زين لحبيبة وقال بصوت خفيض:
"الآن يا حبيبة.. هل ما زلتِ تعتقدين أن عالمي يمكن الخروج منه؟ لقد تلطخت يداكِ بالدماء لتنقذي أخي.. أنتِ الآن واحدة منا، شئتِ أم أبيتِ."